محمد متولي الشعراوي

1843

تفسير الشعراوى

عددك بعدد خصمك أو تقارن عدتك بعدة خصمك ؛ فاللّه لا يكلفك أن تقابل العدد بالعدد ولا العدة بالعدة ، وإنما قال : أنت تعد ما استطعته ، لماذا ؟ لأن اللّه يريد أن يصحب ركب الإيمان معونة المؤمن به ؛ لأنه لو كانت المسائل قدر بعضها ، لكانت قوة لقوة . لكن اللّه يريد أن يكون العدد قليلا وتكون العدة أقل وأن نعترف ونقول : هذا ما قدرنا عليه يا رب . وما دام هو الذي قدرنا عليه ، فتكون هذه هي الأسباب التي مكنتنا منها ، ونثق بأنك يا رب ستضع مع العدد القليل مددا من عندك ، فأنت المعين الأعلى ، فسبحانك القائل : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ( 11 ) ( سورة محمد ) والحق هنا يقول : « إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ » فأنت تضمن نصر اللّه لك إن كنت قد دخلت على أن تنصره . كيف نعرف أننا ننصر اللّه ؟ نعرف ذلك عندما تأتى النتيجة بنصرنا ، لأنه سبحانه لا يعطى قضية في الكون وبعد ذلك يأتي بالواقع ليكذبها ، وإلا فالمسلمون يكونون قد انخدعوا - معاذ اللّه - لأنه لو جاء الدين بقضية ثم يأتي الواقع ليكذبها ، فلابد أن يقولوا : إن الواقع كذب تلك القضية . لكن الحق قال : « إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ » ويجئ الواقع مؤكدا لهذه القضية ، عندئذ نحن لا نصدق في هذه القضية فقط ، بل نصدق كل ما غاب عنا ، فعندما تظهر جزئية ماديّة واقعة محسوسة لتثبت لي صدق القرآن في قضية ؛ فأنا لا أكتفى بهذه القضية ، بل أقول : وكل ما لا أعلمه داخل في إطار هذه القضية . ولذلك قلنا : إن الحق سبحانه وتعالى ترك بعض أسراره في كونه ، وهذه الأسرار التي تركها في كونه هي أسرار لا تؤدى ضرورات ؛ إن عرفناها فنحن ننتفع بها قليلا في الكماليات ، ويترك الحق بعض الأسرار في الكون إلى العقول لتستنبطها ، فالشىء الذي كان العقل يقف فيه قديما يصبح باكتشاف أسرار اللّه مقبولا ومعقولا ، كأن الشئ الذي وقف فيه العقل سابقا أثبتت الأيام أنه حق ، إذن فما لا يعرف من الأشياء يؤخذ بهذه القضية أو بما أخذ من الغير .